الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
212
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مؤخر . وافتتح الكلام بحرف التّنبيه للاهتمام بالخبر لتحقيقه وإدخال الروع في ضمائرهم . وتقديم الظرف للإيماء بأنّ إتيان العذاب لا شك فيه حتى أنه يوقّت بوقت . والصرف : الدفع والإقصاء . والحوق : الإحاطة . والمعنى : أنه حالّ بهم حلولا لا مخلص منه بحال . وجملة وَحاقَ بِهِمْ في موضع الحال أو معطوفة على خبر لَيْسَ . وصيغة المضي مستعملة في معنى التحقق ، وهذا عذاب القتل يوم بدر . وما صدق ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هو العذاب ، وباء بِهِ سببية أي بسبب ذكره فإن ذكر العذاب كان سببا لاستهزائهم حين توعدهم به النّبيء صلى اللّه عليه وسلم . والإتيان بالموصول في موضع الضمير للإيماء إلى أن استهزاءهم كان من أسباب غضب اللّه عليهم . وتقديره إحاطة العذاب بهم بحيث لا يجدون منه مخلصا . [ 9 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 9 ] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) عطف على جملة وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [ هود : 8 ] . فإنه لما ذكر أن ما هم فيه متاع إلى أجل معلوم عند اللّه . وأنهم بطروا نعمة التمتيع فسخروا بتأخير العذاب ، بيّنت هذه الآية أن أهل الضلالة راسخون في ذلك لأنّهم لا يفكّرون في غير اللّذات الدنيوية فتجري انفعالاتهم على حسب ذلك دون رجاء لتغير الحال ، ولا يتفكرون في أسباب النعيم والبؤس وتصرفات خالق الناس ومقدّر أحوالهم ، ولا يتّعظون بتقلبات أحوال الأمم ، فشأن أهل الضلالة أنّهم إن حلّت بهم الضراء بعد النعمة ملكهم اليأس من الخير ونسوا النعمة فجحدوها وكفروا منعمها ، فإنّ تأخير العذاب رحمة وإتيان العذاب نزع لتلك الرحمة ، وهذه الجملة في قوة التذييل . فتعريف ( الإنسان ) تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، وبذلك اكتسبت الجملة قوة التذييل . فمعيار العموم الاستثناء في قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ هود : 11 ] كما يأتي ، فيكون الاستغراق عرفيا جاريا